الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

241

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالجملة ، على هذا ، معترضة ، والواو اعتراضية ، ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات الّتي يقصد فيها مداواة النّفوس من عاهات ذميمة ، وإلّا فإنّ انتهاء الأجل منوط بعلم اللّه لا يعلم أحد وقته ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [ لقمان : 34 ] ، والمؤمن مأمور بحفظ حياته ، إلّا في سبيل اللّه ، فتعيّن عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أنّ الموت بالأجل ، والمراد بِإِذْنِ اللَّهِ تقديره وقت الموت ، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدّر ، وهو ما عبّر عنه مرّة ب ( كن ) ، ومرة بقدر مقدور ، ومرّة بالقلم ، ومرّة بالكتاب . والكتاب في قوله : كِتاباً مُؤَجَّلًا يجوز أن يكون اسما بمعنى الشيء المكتوب ، فيكون حالا من الإذن ، أو من الموت ، كقوله : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 38 ] و « مؤجّلا » حالا ثانية ، ويجوز أن يكون كِتاباً مصدر كاتب المستعمل في كتب للمبالغة ، وقوله : مُؤَجَّلًا صفة له ، وهو بدل من فعله المحذوف ، والتّقدير : كتب كتابا مؤجّلا أي مؤقتا . وجعله صاحب « الكشاف » مصدرا مؤكّدا أي لمضمون جملة وَما كانَ لِنَفْسٍ الآية ، وهو يريد أنّه مع صفته وهي مُؤَجَّلًا يؤكّد معنى إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنّ قوله : بِإِذْنِ اللَّهِ يفيد أنّ له وقتا قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا فهو كقوله تعالى : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ النساء : 24 ] بعد قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النساء : 23 ] الآية . وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ . عطف على الجملة المعترضة . أي من يرد الدنيا دون الآخرة ، كالّذي يفضّل الحياة على الموت في سبيل اللّه أو كالّذين استعجلوا للغنيمة فتسبّبوا في الهزيمة ، وليس المراد أنّ من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يحرم من ثواب الآخرة وحظوظها ، فإنّ الأدلّة الشرعية دلّت على أنّ إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن ، وهل جاءت الشريعة إلّا لإصلاح الدنيا والإعداد لحياة الآخرة الأبدية الكاملة ، قال اللّه تعالى : فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [ آل عمران : 148 ] وقال تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي الغنيمة أو الشّهادة ، وغير هذا من الآيات والأحاديث كثير . وجملة وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ تذييل يعمّ الشاكرين ممّن يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة . ويعمّ الجزاء كلّ بحسبه ، أي يجزي الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط .